تستعد المجتمعات الصينية حول العالم للاحتفال برأس السنة القمرية، المعروف بـ “عيد الربيع”، وهو مناسبة لا تقتصر على الاحتفال بالتقويم فحسب، بل تمثل دورة حياة كاملة من الفناء والتجديد والبعث. وفي هذا الانتقال الرمزي، تلعب الزهور والنباتات المزهرة دوراً محورياً، حيث كانت تُعامَل تاريخياً ليس كمجرد زينة، بل كبشائر حية تعلن عن عودة الحياة بعد سبات الشتاء. إن اختيار أزهار محددة لهذا المهرجان لم يكن وليد الصدفة، بل تطور عبر قرون من الفلسفة والشعر والعادات الإمبراطورية والمعتقدات الشعبية، ليصبح كل نبات رمزاً لمعنى عميق يرجوه المرء في العام الجديد.
الخوخ والبرقوق: الصمود ونبذ الشرور
تتصدر زهرة البرقوق (梅花) قائمة الرموز الأقدم والأعمق ارتباطاً بعيد الربيع. تنمو هذه الزهرة، التي نشأت في الصين، في أواخر الشتاء وغالباً ما تتفتح متحدية الثلوج. هذا التحدي للبرد جعلها رمزاً طبيعياً لقوة التحمل والمناعة الأخلاقية. خلال سلالتي تانغ وسونغ، تبنى العلماء والمسؤولون زهرة البرقوق كاستعارة للنزاهة والثبات في وجه الشدائد، كما فُسِّرت بتلاتها الخمس لاحقاً بأنها تمثل النعم الخمس: طول العمر، والازدهار، والصحة، والفضيلة، والموت السلمي.
على صعيد آخر، تحمل زهرة الخوخ (桃花) أهمية تعود إلى الأساطير القديمة والممارسات الروحية الطاوية. فقد اعتُبرت أشجار الخوخ مقدسة وقادرة على صد الأرواح الشريرة والمرض. علاوة على الحماية، أصبحت زهور الخوخ الوردية الرقيقة مرتبطة بالحيوية والنمو وحتى الحظ الرومانسي، معبرة عن دعوة للطاقة الإيجابية والوئام الأسري.
ملوك الزهور وبشائر الثروة
على الرغم من أن زهرة الفاوانيا (牡丹) تتفتح متأخرة في الربيع، فإن قيمتها الرمزية تتجاوز نطاقها الموسمي. اشتهرت الفاوانيا كـ “ملك الزهور” وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بثقافة البلاط الإمبراطوري، حيث أصبحت رمزاً للثروة، والمكانة الأرستقراطية، والنجاح الاجتماعي. إن دمج الفاوانيا في صور العام الجديد، سواء كانت في شكل لوحات أو تطريز، يرمز إلى الأمل في عام مليء بالازدهار والترقي.
من ناحية أخرى، تتمتع النرجس (水仙)، خاصة في جنوب الصين ومقاطعات مثل فوجيان وغوانغدونغ، بأهمية خاصة. وتتمثل رمزيتها في قدرتها المذهلة على التزهير في الداخل خلال الشتاء بأقل رعاية، مما جعلها رمزاً طبيعياً لبروز الحظ والثروة. ويعتبر تفتح النرجس بدقة تزامناً مع العام الجديد بمثابة فأل قوي للازدهار والنجاح المهني.
اللانجوات والأوركيد: الرقي والصحة
بالانتقال إلى النباتات المثمرة، أصبح نبات اللانجوات (البرتقال الذهبي) (金桔) لا غنى عنه في تقاليد عيد الربيع، خاصة في الجنوب. يُنطق اسم اللانجوات المشابه لكلمة “الذهب” في اللغة الصينية، وتُرمز ثمرته المستديرة والبرتقالية الزاهية إلى الثروة والوفرة والاستمرارية. غالباً ما تحمل أشجار اللانجوات الأزهار والثمار في آن واحد، مما يعزز ارتباطها بالازدهار الدائم.
إلى جانب هذه الرموز الخارجية، تمثل الأوركيد (兰花) القيم الداخلية. تحظى الأوركيد بالتبجيل لكونها من “السادة الأربعة” في الفن والثقافة الصينية، وتجسد الأناقة والنزاهة الأخلاقية والفضيلة العلمية. يرمز عرض الأوركيد خلال المهرجان إلى الرغبة في النمو الداخلي، والحكمة، والانسجام في العلاقات الإنسانية.
بشائر التجديد الشامل
تتميز زهور عيد الربيع، من البرقوق الصامد إلى عشبة اللانجوات التي تجذب الثروة، بأنها تحول المنازل إلى مساحات من الأمل والفضيلة والرخاء. إن زراعة وعرض هذه النباتات المزهرة هي ممارسة قديمة تهدف إلى مواءمة الحياة البشرية مع إيقاعات الطبيعة، وتجسيد بداية دورة جديدة من الإمكانيات والازدهار مع قدوم العام القمري الجديد.