في الأسبوع الثاني من أبريل، تبدأ مزارع الزهور في مرتفعات “سافانا بوغوتا” في كولومبيا سباقاً محموماً ضد الزمن؛ حيث يقطف العمال أجمل الورود لشحنها في شاحنات مبردة إلى مطار “إلدورادو” الدولي، ومن هناك تنطلق في رحلة دقيقة عبر شحنات جوية إلى ميامي، لتصل في النهاية إلى مزهرية منزل في ضواحي أوهايو خلال أقل من 72 ساعة. هذه العملية اللوجستية المعقدة ليست سوى حلقة واحدة في سلسلة عالمية ضخمة تُدار لأجل مناسبة واحدة: عيد الأم، الذي تحول من مناسبة عاطفية إلى ظاهرة اقتصادية عالمية تقدر بمليارات الدولارات.
محرك اقتصادي لا يتوقف
أصبح عيد الأم ثالث أكبر مناسبة تجزئة في الولايات المتحدة، متجاوزاً كل المناسبات باستثناء عيد الميلاد وموسسوم العودة للمدارس. وبحسب بيانات الاتحاد الوطني لتجار التجزئة (NRF)، من المتوقع أن ينفق المستهلكون الأمريكيون نحو 34.1 مليار دولار في عام 2025، بمتوسط إنفاق فردي يبلغ 259.04 دولاراً للشخص الواحد. هذا الرقم يمثل ضعف ما كان عليه قبل عقدين، ويفوق إنفاق عيد الأب بنسبة تزيد عن 37%، مما يعكس “علاوة ثقافية” يضعها المجتمع على الأمهات تترجم مباشرة إلى إنفاق تجاري.
وتتصدر فئة المجوهرات قائمة الإنفاق بقيمة متوقعة تبلغ 6.8 مليار دولار، تليها التجارب والرحلات العائلية مثل العشاء والنادي الصحي بقيمة 6.3 مليار دولار، ثم بطاقات الهدايا والزهور التي تستحوذ على 3.2 مليار دولار. يشير هذا التحول في أنماط الإنفاق نحو السلع الفاخرة والتجارب إلى رغبة المستهلكين في تقديم هدايا ذات قيمة معنوية ومادية أعلى، بدلاً من الرموز التقليدية البسيطة.
المفارقة التاريخية والتسويق العاطفي
تكمن وراء هذا الجبل من الأرقام قصة تأسيسية مفارقة؛ فالمناسبة التي أسستها “آنا جارفيس” عام 1908 تخليداً لذكرى والدتها، كانت تهدف في الأصل إلى أن تكون يوماً للتأمل والعلاقات الحميمة، لا للربح. وبحلول عام 1914، أعلن الرئيس وودرو ويلسون العيد رسمياً، لتبدأ بعدها “جارفيس” حملة شرسة ومدفوعة التكاليف لمحاربة التجار والمُصنّعين الذين استغلوا المناسبة، حتى أنها رفعت دعاوى قضائية ضد الشركات التي استخدمت اسم العيد في الإعلانات. المفارقة أن نفقات رعايتها الصحية في أواخر حياتها قيل إنها غُطيت جزئياً من قبل صناعة الزهور والبطاقات التي قضت حياتها تحاربها.
اليوم، تعتمد الصناعة على ديناميكية نفسية قوية: الشعور بالذنب. ويوضح الخبراء أن المستهلكين لا يملكون رفاهية التوفير في هذا اليوم خوفاً من التقصير، مما يجعل الإنفاق مقاوماً للركود الاقتصادي، حيث يرى المسوقون أن الحل الوحيد لتبديد هذا الشعور هو شراء هدية مميزة.
تحديات لوجستية وتجارة رقمية
على الجبهة اللوجستية، تواجه صناعة الزهور تحديات غير مسبوقة في 2025، لا سيما مع فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10% على الواردات، والتي تؤثر مباشرة على سلاسل التوريد التي تعتمد بنسبة 80% على واردات كولومبيا والإكوادور. يصف بوب يدوفيتز، صاحب متجر زهور في نيويورك، عيد الأم بأنه “السوبر بول” لمصلته، حيث يواجه مأزقاً بين امتصاص تكلفة الرسوم أو تمريرها للعميل في وقت حساس. وقد أدى هذا الضغط إلى زيادة الاعتماد على التخطيط المبكر والاتفاقيات طويلة الأجل مع المزارع.
ومن الناحية الرقمية، تحولت سلوكيات الشراء بشكل جذري؛ ففي 2025، يتم أكثر من 35% من المشتريات عبر الإنترنت، مع دور متزايد لمنصات التواصل الاجتماعي في اكتشاف الهدايا. كما تسيطر تكنولوجيا التخصيص على السوق، حيث يفضل المستهلكون شراء منتجات تحمل طابعاً شخصياً (مثل النقش أو التصميم الخاص)، مما يجعل مقارنة الأسعار أمراً صعباً ويسمح للتجار بهوامش ربح أعلى.
نظرة مستقبلية
تمتد مظاهر الاحتفال لتشمل دولاً أخرى بأساليب متنوعة؛ ففي المكسيك يرتبط العيد بتقديم “المارياتشي” عند الفجر، بينما تحتفل بريطانيا به في مارس، وتايلاند في أغسطس. هذا التباين في التواريخ يوفر استقراراً لسلاسل التوريد العالمية.
وبينما يتابع ملايين الأبناء حول العالم اختيار الهدية المثالية، يبقى الدرس الاقتصادي الأبرز: عيد الأم ليس مجرد تقليد اجتماعي، بل هو محرك اقتصادي يعتمد على ركيزتين ثابتتين: عاطفة الابن وكفاءة السوق. ولتقليل الضغط اللوجستي والمالي، ينصح الخبراء المستهلكين بالتخطيط المبكر وشراء الزهور والهدايا قبل أيام من ذروة الطلب لتجنب نفاد المخزون والارتفاعات السعرية.