تقلبات السوق: بائعو الزهور في هونغ كونغ يواجهون تحديات غير مسبوقة مع اقتراب عيد الأم

مع اقتراب الاحتفالات بعيد الأم الذي يصادف يوم الأحد 10 مايو، يجد بائعو الزهور في هونغ كونغ أنفسهم أمام مفارقة قاسية؛ ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون فيه هذا التاريخ الذروة السنوية لمبيعاتهم، تتراجع أرباحهم أمام موجة متصاعدة من هجرة المستهلكين نحو البر الرئيسي الصيني. وتكشف هذه الفترة عن تحولات هيكلية عميقة في اقتصاد المدينة، تهدد بتحويل أعز المناسبات على قطاع الزهور إلى ذكرى لليالي مضت.

السفر “نحو الشمال” وإعادة رسم خريطة التجزئة

لم يعد إحجام السكان عن شراء الزهور مجرد نزوة موسمية، بل بات جزءاً من ظاهرة هيكلية يطلق عليها المحليون اسم “هينغ باك” أو “التوجه شمالاً”. وقد سجلت الأرقام الرسمية قيام سكان هونغ كونغ بأكثر من 6 ملايين رحلة شهرية إلى مدينة شنتشن المجاورة خلال عام 2024، بزيادة ملحوظة عن 4 ملايين رحلة في العام السابق. ويعكس هذا التحول، الذي تسهله حدود برية سهلة العبور، تفضيلاً متزايداً لخيارات الترفيه والطعام الأقل تكلفة في البر الرئيسي، تاركاً قطاع التجزئة في هونغ كونغ يواجه فراغاً في عطلات نهاية الأسبوع والعطلات الرسمية.

وتشير بيانات مصرف “ناتيكسي” (Natixis) إلى أن إنفاق سكان هونغ كونغ في شنتشن والمدن المجاورة بلغ 66.5 مليار دولار هونغ كونغي في عام 2023، حيث استحوذ التسوق وتناول الطعام على النصيب الأكبر من هذا الإنفاق. وتشير تقديرات قاعدة بيانات “Numbeo” إلى أن تكلفة المعيشة في شنتشن أقل بنسبة 50% مقارنة بهونغ كونغ، مما يخلق فجوة اقتصادية يصعب على تجار المدينة الملكية سدها.

تهديد مزدوج: غياب الزبائن والمنافسة الحدودية

لا يقتصر التحدي على غياب الزبائن، بل يمتد ليشمل منافسة غير متكافئة من خلال خدمات “التوصيل عبر الحدود”. فقد نجحت منصات مثل “تاوباو” و”JD.com” وتطبيقات “WeChat” في خلق سوق مزدهرة لبائعي الزهور في شنتشن، حيث يمكن للمستهلك طلب باقات زهور وتوصيلها يدوياً إلى هونغ كونغ بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار المحلية.

وبينما يتراوح سعر باقة الزهور في متاجر هونغ كونغ بين 800 و1200 دولار هونغ كونغي، نظراً لتكاليف الإيجار والاستيراد المرتفعة، تقدم المتاجر عبر الحدود منتجات مماثلة بجزء من هذا السعر. وتعبر “جيسي”، وهي موظفة في متجر “ون تشاك” لبيع الزهور في سوق مونغ كوك، عن إحباط القطاع بقولها: “هناك الكثير من الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تروج لنقل الزهور عبر الحدود بأسعار منخفضة جداً. ليس لدينا طريقة للمنافسة معهم في السعر”.

مسارات البقاء: الجودة مقابل السعر

في مواجهة هذا الواقع، يحاول بائعو الزهور المحليون، خاصة في سوق مونغ كوك الذي يضم أكثر من 120 متجراً، تبني استراتيجيات جديدة للبقاء. ويتجه هؤلاء نحو التركيز على التصاميم الفنية المتخصصة، وورش العمل التفاعلية، وتقديم خدمات توصيل في نفس اليوم، وهي مزايا يصعب تكرارها عبر عمليات التوصيل الحدودية.

لكن السؤال يظل معلقاً: هل تكفي هذه الجهود لإنقاذ القطاع؟ يشير مراقبون إلى أن التغيير الجذري في أنماط الاستهلاك يتجاوز كونه مجرد مظهر موسمي، إذ يبدو وكأنه إعادة هيكلة طويلة الأمد للسوق. بينما يظل العاطفة والارتباط العاطفي بالمناسبات سبباً لشراء البعض للزهور محلياً، فإن “المد الشمالي” الذي يفرغ شوارع هونغ كونغ في عطلات نهاية الأسبوع لا يتوقف احتراماً لعيد الأم، بل يعيد رسم معادلة التجارة في المدينة بشكل قد يكون دائماً.

Flower same day delivery