تبدأ هونغ كونغ، في أواخر شهر يوليو من كل عام، حرباً من نوع خاص، لا تُدار بالأسلحة بل بقشور المعجنات وصفار البيض المملح ونكهات متزايدة الغرابة، في سباق تسلّح سنوي يُعرف بموسم كعكة القمر. ومع حلول مهرجان منتصف الخريف، الذي يصادف هذا العام 25 سبتمبر 2026، تتحول بهو الفنادق إلى صالات عرض لصناديق الهدايا، وتشهد المخابز طوابير طويلة، وتشتعل مجموعات “واتساب” المكتبية بالنقاشات حول ما إذا كانت كعكات “قشر الثلج” تُعد كعكات قمر “حقيقية” أم لا.
بالنسبة للغريب عن هذه الثقافة، قد تبدو كعكة القمر مجرد معجنات بسيطة. لكنها في هونغ كونغ وثيقة ثقافية بامتياز؛ فهي سجلّ كثيف برائحة الشراب والسمن يعكس تاريخ المدينة، وتنافس فنادقها منذ الحقبة الاستعمارية، وجذورها الطهوية الكانتونية، ونهجها الباذخ في التسويق الاحتفالي.
البدايات: تاريخ قصير لكنه عميق
تعود قصة كعكة القمر إلى أساطير متعددة الطبقات؛ فهناك إلهة القمر، والأرنب، وربما ثورة ضد الحكم المغولي كانت رسائلها السرية تُخبز داخل الكعك. وبغض النظر عن مدى صحة هذه الروايات، فإن تقليد تقديم كعكات مستديرة على شكل القمر خلال الشهر القمري الثامن يعود لقرون مضت في جنوب الصين، حيث ورثت هونغ كونغ النسخة الكانتونية وطوّرتها.
أما ما يميّز ثقافة كعكة القمر في هونغ كونغ، فهو ليس الكعكة نفسها بقدر ما هو حجم الصناعة المحيطة بها. إنها مدينة تتنافس فيها فنادق الخمس نجوم على حشوات الكاسترد كما تتنافس على شاي بعد الظهر، ويُستخدم فيها صندوق هدايا كعكة القمر كعملة للهدايا المؤسسية، وتُباع النكهات “محدودة الإصدار” قبل أن تُخبز أحياناً.
الكلاسيكية: كعكة القمر الكانتونية المخبوزة
إذا سألت معظم الأسر في هونغ كونغ عن شكل كعكة القمر “الحقيقية”، فسيصفون لك هذه النسخة: قشرة ذهبية مخبوزة رقيقة، لامعة بلمعان خفيف، تغلّف حشوة كثيفة حلوة المذاق. هذا هو الأسلوب الكانتوني، وهو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء آخر.
وتبقى كعكة معجون بذور اللوتس مع صفار البيض المملح الملكية بلا منازع. فالمعجون الناعم ذو النكهة الجوزية يُلف حول صفار بيض البط المملح، الذي يرمز إلى البدر عند قطع الكعكة. وتُعدّ النسخ ذات الصفار المزدوج هي الحجم القياسي للهدايا، بينما توجد كعكات رباعية الصفار أساساً للتصوير وإبهار من تحاول إبهاغهم. أما معجون اللوتس الأبيض فيتميز بحلاوة أخف ونكهة أدق، وهو خيار من يجدون النسخة التقليدية مثيرة للإعجاب. ويعتبر معجون الفاصوليا الحمراء الخيار الأسهل تقبلاً، وهو شائع بين من يشترون كعكات القمر لأول مرة أو للأطفال.
أما كعكة “المكسرات الخمس”، فهي الأكثر إثارة للجدل في هونغ كونغ، وهي حشوة قديمة من الجوز واللوز وبذور السمسم وبذور البطيخ وأحياناً اليقطين المسكر أو لحم الخنزير الصيني، وتتماسك في كتلة كثيفة ومطاطية. يدافع عنها الجيل الأكبر بشدة، بينما يتجنبها الشباب تماماً، فهي بمثابة اختبار حقيقي في أي تجمع عائلي.
إعادة الابتكار: كعكات “قشر الثلج”
إذا كانت الكعكات المخبوزة هي التقليد، فإن كعكات “قشر الثلج” هي التمرد، وهي الآن تقليد قائم بذاته. فمصنوعة من دقيق الأرز الدبق وليس المعجنات المخبوزة، وتتميز بملمس مطاطي ناعم يشبه “الموتشي”، وتُقدم باردة وليس في درجة حرارة الغرفة.
تتألق هنا إبداعات هونغ كونغ؛ فقشور “قشر الثلج” تظهر بألوان زاهية ونكهات غير تقليدية كالمانجو والكاكايا والماتشا والشمبانيا واليوزو والشوكولاتة، بحشوات تتراوح بين هريس الفواكه والكاسترد وما يشبه الآيس كريم. تتعامل فرق المعجنات في الفنادق مع مجموعات “قشر الثلج” كفرصة لإظهار مهاراتها، مثل فندق “فور سيزونز هونغ كونغ” الذي أطلق مجموعة لعام 2026 تتضمن نكهة مستوحاة من “الموتشي”، مقدمة في تغليف صُمم لإعادة استخدامه بعد المهرجان. أما عشاق “الموسانغ كينغ” فيعتبرون كعكات “قشر الثلج” بحشوة الكاكايا وصولاً إلى نوع من طقوس الحج السنوية، يُطلب مسبقاً في يوليو ويُحرس بغيرة عند وصوله.
المفضّل الحديث: كعكات الكاسترد والحمم البركانية
خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، تحولت الأذواق بشكل حقيقي نحو كعكات الكاسترد. فهذه الكعكات تستبدل معجون اللوتس بحشوة كاسترد البيض الزبدانية الحلوة، ويضيف تنويع “الحمم” لمسة إضافية بخبز الكعكة بحيث يبقى مركز الكاسترد طرياً وسائلاً.
باتت هذه الفئة شديدة التنافس؛ حيث أطلقت فندق “بينينسولا هونغ كونغ” مجموعته لعام 2026 من مطعم “سبرينغ مون” الحائز على نجمة ميشلان، بما فيها كعكات بيض الكاسترد المصغرة، ونسخة محدودة بنكهتي الروزيل والزعرور. كما قدم مطعم “يونغ كي” مجموعته لعام 2026 التي تتضمن “رباعية القمر المصغرة” بإضافة كاسترد الماتشا الحممي، وكاسترد القلقاس مع حليب جوز الهند، والفاصوليا الحمراء مع قشر اليوسفي، إلى جانب نسخه الكلاسيكية. وتُعزى شهرة كعكات “الحمم الكاستردي” إلى علامة “إم إكس”، التي توصف نسختها بأنها الأكثر مبيعاً، وهي مصنوعة من الزبدة الفرنسية وتُخبز مرتين للحصول على مركزها المنصهر.
الجديد: آيس كريم وشوكولاتة وشخصيات كرتونية
لم تقتصر إبداعات 2026 على ما سبق، بل شملت أيضاً كعكات آيس كريم من “هاغن داز” بقشرة شوكولاتة أو بسكويت، وهي خيار شائع كهدية للأطفال أو للمناسبات غير الرسمية. كما صدرت إصدارات عشوائية مثل كعكات “الأوهام الجليدية” من “وينغ واه” بنكهات المانجو والتوت الأزرق والجبن والفراولة والسمسم الأسود والشوكولاتة الداكنة، وكعكات بحشوة الكاسترد الحممي بشخصية “أوبانتشو أوساغي” اليابانية. كما توسعت المجموعات المستوحاة من المطاعم، مثل كعكات الشيف فيكي لاو بنكهات يوانية جنوبية غربية، وكعكات “أوبيولنت مون” من مطعم “كيوزين كيوزين” بنكهات البندق والقهوة والفستق والليمون بالملح البحري.
طريقة الأكل والتوقيت والأسعار
تُقطع كعكات القمر إلى شرائح صغيرة وتُشارك بين مجموعة، لأن الكعكة التقليدية الواحدة قد تتجاوز 800 سعرة حرارية. وتُؤكل مساءً غالباً في الهواء الطلق أو على الشرفة، مع شاي غير محلى، غالباً “بو-إيره”، لقطع حلاوة الحشوة، وأحياناً مع ثمار البوميلو. وتُفتح الطلبات المسبقة في يونيو أو يوليو بخصومات تصل إلى 10%، وتتراوح أسعار الصناديق من 200 إلى 400 دولار هونغ كونغي للأنواع القياسية، بينما تصل مجموعات الفنادق الفاخرة إلى 700 دولار أو أكثر لثماني قطع.
إدراك متزايد: مشكلة الهدر
مع كل هذا الكم من الإنتاج والهدايا، أصبحت مشكلة هدر كعكات القمر قضية بيئية معترفاً بها، حيث تدير الجمعيات الخيرية والمجتمعية حملات تبرع وإعادة تدوير في الأسابيع التالية للمهرجان لإعادة توزيع الصناديق غير المفتوحة، وهو ما يبرز مدى رسوخ هذه العادة في النسيج الاجتماعي للمدينة.
سواء كنت تميل إلى الثراء العميق لكعكة اللوتس بصفار مزدوج أو إلى العشوائية المرحة لكعكة الكاكايا أو كاسترد “أوبانتشو أوساغي”، يقدم مهرجان منتصف الخريف في هونغ كونغ أحد أكثر مشاهد كعك القمر تنوعاً في العالم، من حرف عمرها قرون إلى إصدارات هذا العام الأكثر إثارة للجدل.