مع اقتراب احتفالات عيد الأم، التي تصادف عطلة نهاية الأسبوع الثانية من شهر مايو، تجد محال الزهور في هونغ كونغ نفسها أمام واقع اقتصادي قاسٍ يختلف كلياً عن سنوات الازدهار السابقة. ففي الوقت الذي يُشكل فيه هذا الموعد ذروة الموسم التجاري للزهور، وتتساوى مبيعاته مع عيد الحب، يواجه تجار الزهور تراجعاً حاداً في الطلب، مدفوعاً بتغير جذري في أنماط الاستهلاك والتنقل سكان المدينة.
تكمن جذور الأزمة في ظاهرة هيكلية متزايدة، يطلق عليها السكان المحليون اسم “الرحلات الشمالية”، حيث يتدفق ملايين السكان عبر الحدود نحو مدينة شنتشن الصينية القريبة. وقد سجلت بيانات عام 2024 مغادرة أكثر من 6 ملايين مقيم شهرياً نحو شنتشن، بزيادة ملحوظة عن 4 ملايين في العام السابق، مما أدى إلى تفريغ شوارع هونغ كونغ التجارية في عطلات نهاية الأسبوع والأعياد.
تحول اقتصادي وتغير في الوجهة
لم تعد رحلات عطلة نهاية الأسبوع تقتصر على البحث عن المتعة فحسب، بل باتت driven بعوامل اقتصادية واضحة. وفقاً لقاعدة بيانات “Numbeo”، فإن تكلفة المعيشة في شنتشن أقل بنسبة 50% مقارنة بهونغ كونغ، مما يجعلها وجهة مفضلة للطبقة الوسطى الباحثة عن قيمة أفضل للمال في المطاعم والترفيه. وقدر بنك “Natixis” الاستثماري أن إنفاق سكان هونغ كونغ في المدن الحدودية بلغ 66.5 مليار دولار هونغ كونغي في عام 2023.
هذا التحول جاء ليعكس الاتجاه التاريخي الذي كان سائداً قبل جائحة كورونا، حيث كانت هونغ كونغ وجهة للتسوق والرفاهية للزوار القادمين من البر الرئيسي. أما اليوم، فإن انخفاض أعداد السياح القادمين بنسبة 49% بين عامي 2018 و2023، وتحولهم إلى رحلات يومية منخفضة الميزانية، ضاعف الأزمة على التجار المحليين، مما أدى إلى إغلاق أكثر من 300 متجر في النصف الأول من العام الماضي، مع توقعات بانخفاض المبيعات بنسبة 10% إضافية.
منافسة غير متكافئة عبر الحدود
بعيداً عن غياب العملاء، تواجه محال الزهور تهديداً نوعياً يتمثل في صعود خدمات توصيل الزهور عبر الحدود. استغل بعض رواد الأعمال في شنتشن منصات مثل “توباو” و”وي شات” لتقديم باقات زهور بأسعار تقل كثيراً عن نظيراتها في هونغ كونغ، حيث تتراوح تكلفة الباقة الواحدة بين 800 إلى 1200 دولار هونغ كونغي محلياً، في حين توفر الخدمات العابرة للحدود بديلاً بسعر يقل عن ذلك بكثير.
وتعتمد هذه العمليات على “الطرود البشرية” أو المندوبين الذين يعبرون الحدود يومياً لتسليم الزهور يدوياً، مما يمنح العملاء سرعة وجودة بتكلفة أقل. وفي هذا الصدد، صرحت “جيسي”، موظفة في محل “مان زاك” للزهور في سوق “مونغ كوك”، بأن المنافسة السعرية أصبحت مستحيلة، داعية الحكومة إلى التدخل لمعالجة هذا الخلل التنافسي الناجم عن التباين في التكاليف التشغيلية والإيجارات.
آليات البقاء والتكيف
في مواجهة هذه التحديات الهيكلية، يلجأ تجار الزهور في هونغ كونغ إلى استراتيجيات الدفاع التقليدية، بالتركيز على الجودة، التصميم الفني، وتقديم ورش عمل تجريبية يصعب استنساخها عبر خدمات التوصيل السريع. يحاول أصحاب المتاجر الاستناد إلى القيمة العاطفية للشراء المحلي، والثقة في مصدر الزهور، للحفاظ على شريحة من العملاء الذين يقدرون الحرفية اليدوية على السعر الرخيص.
في الختام، يبدو أن قطاع الزهور في هونغ كونغ يمر بمرحلة إعادة تشكيل قسرية. فبينما لا تزال قيمة عيد الأم كبيرة، فإن القوة الشرائية تتجه شمالاً، تاركة محللي الزهور المحليين أمام معضلة كبرى: كيفية الحفاظ على أعمالهم في بيئة تختفي فيها الحدود التجارية وتتلاشى فيها الحشود المحلية، معتمدين على قيمة “اللمسة الشخصية” كحجر الزاوية الأخير للبقاء.